اعت,داء مزيف للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت جاية متبهدلة، هدومي كلها متقطعة، دموعي بتسيل على خدي زي السيل، الطين مغرق جسمي كله، وكنت بترعش، رجليا بتخوني وعمالة أقع في الأرض، وحسيت وقتها بالبرد، البرد الشديد، ووقعت في الأرض من تاني، وزحفت على الطين لحد ما وصلت للطريق الترابي.. كانت الساعة ٩ بالليل، وكنت راجعة من الجامعة كالعادة من طريق الغيطان، بس مكنش مكتوبلي أرجع سليمة، ودلوقتي أنا راجعة وأنا متدمرة، بقايا إنسانة..

وصلت بيتنا بمعجزة، والشوارع كلها كعادة القرى كانت فاضية، محدش شافني، وأول ما خبطت علي الباب فتحلي أخويا، وشافني شبه عريانة، بحاول أخبي جسمي بإيدي، بصلي بذهول الدنيا كله، بس أنا مقدرتش أواجه البرد أكتر من كدا واترميت في حض.نه، وبكيت.. بكيت بكل قهر الدنيا، شدني على جوة وعلى صوت بكائي أبويا نزل يجري، وشافني بالمنظر دا، أبويا اتجنن وقتها، شال كل حاجة قدامه وكس.رها، كان بيصرخ بأعلى صوته وبيهزني ـ حد اعتـ ـدى عليكي، قوليلي مين يابنتي، قوليلي..

على صوته أعمامي كلهم اتجمعوا، أختي خدتني بسرعة للأوضة وحض.نتني، أعمامي كانوا واقفين قدام باب البيت هيتجننوا، أبويا كان هي.. نفسه وقتها، وكان لازم أنطق، ونطقت، نطقت بصوت بيترعش من الرعب: ـ مسعد ابن الحاج عبدالبر.. الكلمة كانت كفيلة إن أبويا وأخويا وأعمامي يطلعوا كل السلاح، جمعوا نفسهم وانطلقوا زي الجنود في المعركة، وصرخت أختي بكل رعب الدنيا، وصحيت البلد كلها على ضر.ب نا.ر زي المطر، أبويا وأعمامي هجموا على بيت الحاج عبد البر، و..وا مسعد بأكتر من عشرين رصاصة، وأبوه اضر.ب لحد ما دمه ساح واترمى في الشارع..

ومع صراخ أهل البيت اتجمعت العيلة التانية بالسلاح، واشتعل المكان بضر.ب النا.ر والصراخ، الرجالة كانت بتجري ودمها فاير، كل واحد سلاحه في إيده وعايز يدبح التاني.. اتقسمت الخناقة، شوية بيجروا ورا بعض بالسلاح النا.ري، وشوية بيضر.بوا بعض بالشوم والخناجر، ووقعت الأجسام في الأرض، أكتر من عشر ج.ثث من العائلتين دمهم سال زي النافورة.. وخرجت الشمس تاني يوم حزينة على كمية الدم اللي سال على الأرض، وجت الشرطة عشان تعتقل أكتر من تلاتين راجل، وخربت البيوت واترفعت التوابيت عشان تد.فن الج.ثث، ج.ثث الناس اللي من كام ساعة بس كانوا جوة بيوتهم أحياء آمنين، وانتشر الخبر في البلد كلها..

مسعد ا..ب ميار بنت الحاج إبراهيم وهي راجعة من الجامعة بتاعتها، وكانت المشكلة اللي ما.ت فيها مُسعد وأبوه وعمه وأولاد عمه، والناحية التاني ما.ت أربعة من عيلة ميار، كانت الكفة راجحة لعيلة ميار، مكنش حد هيقدر يرفع راسه من عيلة مسعد.. هو يستحق ال.. على اللي عمله، ولو إنهم كانوا مذهولين هو عمل كدا ليه، هو بيدرس مع ميار في نفس الكلية وتقريبًا ميعاد رجوعهم من الكلية واحد، ومن نفس الطريق، بس هو ولا ينفع يكلمها ولا بيقرب منها، أيه السبب اللي يخليه ي..بها من الأساس..

قضيت شهر كامل في حالة اكتئاب حاد، حد انتهك براءتي واتسببت في خناقة كبيرة، ما.ت فيها خالي الأقرب لقلبي واتسببت في خراب بيوت كتير، كنت جوا البيت بمو.ت، حاسة إني بتحلل، وكأني بقيت ج.ثة وكلها أيام وتختفي.. وفي ليلة بعد عناء وتفكير شديد نمت، نمت عشان أشوف نفسي في المكان اللي انتـ ـهكوا فيه جسمي، الطريق الترابي، كنت ماشية لحد ما لمحته خارج من الأرض الزراعية اللي قصادي، كان متلثم وعنيه بس اللي ظاهرة، وكان بيبصلي بصات مُخيفة جدًا..

وقتها بدأت أسرع من خطواتي عشان أهرب من نظراته، بس هو سد عليا الطريق، ومن رعبي وخوفي رجعت وجريت جوا البرسيم اللي كان مزروع في الأرض، ووصلي، وضـ ـربني بكل عنف، وسحـ ـلني، وقطـ ـعلي هدومي وانتـ ـهك جسمي.. لسة فاكرة كل المشاعر البشعة اللي حسيت بيها وقتها، الألم والوجع والقهر، وانتهى كل شيء، وشوفت نفسي متكومة في ركن ضلمة وعمالة أبكي بهيستريا، وبعدها سمعت صوت خطوات جاية من وسط الضلمة، بصيت بخوف وشوفتها، كانت أمي الله يرحمها، قربت مني وهي مبتسمة وطبطبت عليا وخدتني في حض.نها..

وقتها بس روحي نفسها اتنفست، بكيت في حض.نها كتير أوي، وكل اللي قالته: ـ حق الناس دي في رقبتك يا ميار.. وصحيت من نومي مخضوضة، كأن فيه حد ضر.بني عشان أصحا، كانت الأوضة ضلمة والجو ليل، وقدام سريري لمحته كان واقف، شخص ما واقف قدام سريري وعنيه بيضا زي التلج، كان ثابت زي الصنم..   مسافة ما لمحته جسمي كله اتخشب وقلبي نط من مكانه، كنت شايفة عفر,,يت قدام سريري، ومكنتش قادرة أهمس، أو حتى اتحرك، ولقيته بيقرب بثبات مُخيف، ورغم الضلمة اللي كانت حوليا شوفته، هو اللي ا..ـ ـبـني، مسعد..

كان جسمه كله متصفي وبيجيب د,,م، وقتها فتح بقه وسمعت منه صوت حشرجة مُخيفة، ومقدرتش استحمل أكتر من كدا ووقعت في غيبوبة، وهناك شوفت أمي تاني، وكانت بتردد نفس الكلام: ـ حق الناس دي في رقبتك يا ميار، روحي عشان تشوفي بعينك.. حسيت بخبطة جديدة، وصحيت مفز,,وعة من تاني، وشهقت بكل رعب الدنيا لما لقيته لسة واقف قدام سريري، وكان لسة بيخرج منه صوت الحشرجة المُخيفة، واتردد في ذهني صوت أمي من تاني، روحي معاه يا ميار..

لقيته مشي بهدوء تام ناحية باب الأوضة وخرج منه، ولمحت عنيه في الصالة بتبرقلي، كانت رسالة واضحة تمامًا، أنا لازم أروح، وقتها كنت حاسة إني في حلم، فاقدة التركيز وعاملة زي المتخدرة، عقلي شايف وواعي بس جسمي كله متخدر.. قمت من مكاني، مشيت لحد برا لقيته واقف قدام باب الشارع واختفى، مشيت بهدوء وفتحت باب البيت بالراحة خالص وخرجت، وعلى آخر الشارع كان واقف، ولقيت نفسي بمشي ناحيته، وكنت كل ما بتقدم كان بيتحرك، لحد ما وصلنا للطريق الترابي اللي جمب غيطان البرسيم..

حسيت بالبرد من تاني بيضر.ب جسمي، ورجعلي شعور الليلة إياها، بس كنت غصب عني بمشي وراه، بفتكر أحداث الليلة كلها وقلبي عمال ينقب.ض بس برده ماشية وراه، ولقيته دخل جوا غيط البرسيم، وسط الضلمة والبرد، لحظتها بس سمعت صوت ضحك، وحسيت إن وعيي رجعلي تاني وبقيت قادرة أسيطر على جسمي.. استخبيت ورا نخلة بسرعة وبدأت أراقب مكان الصوت، كان فيه اتنين شباب بيشربوا حشيش تقريبًا، ولحظتها سمعت واحد منهم بيقول: ـ يااااه لو البت ميار تعدي من هنا تاني، وأعيش ليلة زي اللي عشتها..

وقبل ما استوعب ذهولي اتكلم التاني وقال: ـ مكفكش اللي حصل، ا..بت البت وضحكت عليها ليلتها وعشان كان المكان ضلمة قولتلها إنك مسعد، وقامت بسببك خناقة ما.ت فيها مسعد وناس كتير.. وقتها صعقت من اللي سمعته، وجتلي صدمة عني,,فة، افتكرت وهو بيضر.بني لما قال: ـ أنا مسعد يا ميار اللي معاكي في الكلية وبيحبك.. بس مكنش صوت مسعد، مكنش صوت مسعد إطلاقًا.. قربت منهم بهدوء شديد وخدت الصدمة الأكبر، ده كان ابن عمي، حسن ابن عمي وصاحبه منصور، حسن ابن عمي اللي حاول يغويني كتير وكنت بصده وآخر مرة هددته هعرف أبويا..

حسن ا..بني وأوهمني إنه حد تاني، اختار مسعد لأنه كان بيكرهه جدًا لأنه متعلم وكان قريب مني بحكم دراسته معايا، واتسبب في مو.ت كل الناس دي، حسن الشيطان اللي لازم يمو.ت زي كل الناس دي.. رجعت بيتي وأنا هتج,,نن، نا.ر مولعة جوايا، كانت الخناقة خلصت من شهر كامل واتعملت قعدة صلح كبيرة واتحطت شروط كبيرة عشان محدش يعتدي على التاني، بس الناس اللي ما.تت دي حقها لسة مجاش، وحسن لازم يت.. مهما كان..

عيل حشاش و.فاسد، واتسبب في خراب بيوت كتير أوي، يومها حكيت لأخويا على كل حاجة بالتفصيل، أخويا اللي كانت النا.ر بتطلع من عينيه، وكل اللي عمله إنه منطقش بولا كلمة.. وبعد يومين بس جت رسالة من تليفون حسن لأبوه بتقول إنه هيسافر لشرم الشيخ في شغل، وكان بيعملها كتير، بيسافر بدون ما يبلغ حد، أو يسافر ويكلمهم بعدها.. بس حسن مسافرش شرم الشيخ، حسن كان , ومد,,,فون في غيط البرسيم، وخاصة في المكان اللي ا..ـ ـبني عنده، واعتقد إنه كان يستحق أكتر من كدا كمان، الله يرحم الأموات..

……………… المقالة اتنشرت في جرنال شهير سنة ٢٠٠٩، واتحكت كل تفاصيل الخناقة وانتهت، بس فيه مقال اتنشر سنة ٢٠٢٠ على موقع ما ورائيات بيحكي قصة ميار اللي أنا حكيتها دي.. (استوصوا بالنساء خيرًا) أخرجه أحمد بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى