كان يفترض أن تركّز الآن مع ما سيقوله عن المهام: المكالما*ت، ترتيب المواعيد، إعادة إرسال الإيميلات، تنظيم الملفات، تنسيق الاجتماعات… لكن شيئًا على مكتبه شدّ عينيها، س*رق انتباهها من كل العالم. إطار فضيّ صغير، أنيق، يبدو قديمًا بعض الشيء، يستقرّ إلى جانب شاشة الكمبيوتر.
في داخل الإطار… كانت الصورة. للحظة، شعرت صوفيا أن قلبها توقف. فتاة صغيرة في الرابعة تقريبًا، فستان أبيض من الدانتيل، شعر أسود مربوط بشرائط صفراء، وفي يدها زهرة عباد الشمس أكبر تقريبًا من وجهها، تبتسم ابتسامة واسعة خجولة.
خلفها، حديقة خضراء وبحيرة صغيرة.
هذه لم تكن صورة “طفلة عادية” بالنسبة لصوفيا. هذه كانت هي. نفس الفستان الذي ما زال حتى اليوم محفوظًا في صندوق قديم تحت سرير أمها.
نفس زهرة عباد الشمس التي كانت أمّها تحكي لها عنها، تقول:
“في اليوم ده كنتِ مش عايزة تسيبي الزهرة، حتى بعد ما أدبلت.” نفس البقعة الصغيرة السوداء في زاوية الصورة، التي كانت أمها تقول إنها “غلط في التحميض”.
كيف…؟! – الآنسة راميريز؟ هل تسمعينني؟ انتشلها صوته من صدمتها، لكنها لم تستطع كبح نفسها.
كانت تشير إلى الإطار بأص*ابع ترتعش:
– هذه الصورة…
تجمّد هو للحظة، ثم التفت بنظره إلى حيث تشير.
لمع شيء سريع في عينيه، كأن أحدهم فتح نافذة على ذكرى قديمة.
تحول وجهه في ثانية، من حياد مهني إلى شيء أقرب إلى الألم والذعر معًا. – ماذا عنها؟
صوته كان أقسى بقليل. ابتلعت ريقها بصعوبة: – من… هذه الفتاة؟ حدّق فيها بعمق، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف السؤال.
ثم أجاب، ببطء: – هذه… ليست من شأنك.
ثم أضاف بنبرة عادلة:
– نحن هنا لنتحدث عن عملك. ركزي، من فضلك.
شعرت صوفيا كأن يدًا باردة قب*ضت على قلبها.
لكنها لم تستطع أن تسكت. شيء أعمق من الخوف وأقوى من المنطق كان يدفعها. – سيدي…
نظرت مرة أخرى إلى الصورة وإلى عينيه:
– هذه أنا. — ساد صمت، من النوع الذي يبدو كأن الهواء نفسه توقف عن الدوران. حدّق فيها فرناندو أورتيغا دون أن يرمش.
لو كانا في فيلم، لربما تحرّكت الكاميرا ببطء نحو وجهيهما.
– ماذا قلتي؟
– هذه أنا في الصورة.
رفعت يدها إلى عقد صغير حول عنقها، به تعليقة معدنية على شكل زهرة عباد الشمس:
– هذا العقد كانت أمي تقول إنني حصلت عليه في اليوم نفسه الذي التُقطت فيه الصورة. في الحديقة العامة في “تشابولتيبيك”.
أشارت إلى الخلفية في الصورة:
– هذه الحديقة. هذه البحيرة.
ثم رفعت عينيها نحوه مباشرة:
– من أين حصلت على هذه الصورة، سيدي؟ تغيّر شيء عميق في ملامحه.
لم يعد الرجل هو نفسه الذي استقبلها قبل دقائق.
مزيج من الصدمة، الارتباك، والخوف… وربما شيء آخر، أكثر حميمية، مرّ على وجهه.
مدّ يده إلى الإطار، أمسكه ببطء، كأن الصورة تح*رق أص*ابعه، وأخذ يتأملها للحظات.
كأنهما شخصان يتحاشيان الاعتراف بحقيقة يعرفانها مسبقًا. أخيرًا، سأل بصوت منخفض تجاوزه بصعوبة: – كم عمرك الآن، آنسة راميريز؟
– ثلاث وعشرون.
– وكم كان عمرك عندما التُقطت هذه الصورة؟
– أربع سنوات. – وأين كنتِ تعيشين حينها؟
– في حي “إيثتابالابا”. ولا زلت أعيش هناك.
– مع من؟
– مع أمّي فقط. لا أعرف أبي. لم أره في حياتي. كل ما أعرفه أنه…
ترددت، لا تدري لماذا تشارك هذه التفاصيل مع رجل لم تعرفه إلا منذ دقائق.
لكن شيئًا ما في الموقف كله كان يدفعها للحديث.
– أنه كان “محاميًا”، وأنه “تركنا قبل أن أولد”، على حد قول أمي.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى.
كانت المفاجأة في وجهه هذه المرة لا تحتاج كبير ذكاء لقراءتها. أسند الإطار على المكتب ببطء.
نهض من كرسيه، واتجه نحو النافذة.
وقف هناك، ذراعاه خلف ظهره، ينظر إلى المدينة دون أن يراها.
كانت صوفيا تشعر أن أنفاسها مسموعة في الصمت. بعد لحظات بدت طويلة جدًا، قال بصوت مختلف: – أظن… أن علينا أن نلغي اجتماع العاشرة، كارمن.
مرّت كارمن برأسها من الباب:
– حاضر، سيدي.
ثم نظرت إلى صوفيا نظرة سريعة حائرة، قبل أن تغلق الباب.
فهمت أن شيئًا مهمًا يحدث.
استدار فرناندو ببطء، وعاد إلى مكتبه.
لم يجلس هذه المرة، بل وقف أمامها مباشرة، المستويان مختلفان: هو واقف، وهي جالسة.
لكنها لم تشعر أنه “أعلى” منها هذه المرة. – آنسة راميريز…
توقف، كأنه يختار الكلما*ت بعناية شديدة.
– يوجد احتمال واحد لما يحدث الآن… وأخاف أن أكون على حق فيه.
– ما هو؟
– قبل عشرين عامًا… كنت رجلًا آخر.
ضحكة قصيرة، بلا فرح، خرجت منه تلقائيًا:
– لا أقصد أصغر سنًا فقط، بل أكثر غرورًا، أكثر أنانية، وأكثر… غباءً.
ارتبكت صوفيا، لم تفهم.
– أعني أنني كنت ذلك النوع من الرجال الذين يعتقدون أن النجاح في المحاكم يعفيهم من الفشل في حياتهم الخاصة.
تنفس بعمق:
– قبل أربعٍ وعشرين سنة تقريبًا، كنت مرتبطًا بفتاة من حي شعبي. كانت تدرس معي في الجامعة. اسمها كان…
توقف للحظة، كأن نطق الاسم يحتاج شجاعة:
– لورا راميريز. شعرت صوفيا أن الأرض تميد بها.
هوى الاسم على قلبها كصاعقة. – هذا اسم أمّي. — غالبًا، عندما نسمع الحقيقة التي نخافها، لا نصرخ ولا ننهار كما في المسلسلات، بل نصير فجأة هادئين بشكل غير طبيعي.
هكذا كانت صوفيا الآن.
جسدها يرتجف قليلًا، لكنها جالسة بثبات، عيناها متعلقتان بوجهه. – كيف… كيف تعرف اسم أمي؟
– لأنني كنت أحبها. أو كنت أظن ذلك على الأقل.
ابتسم بمرارة:
– كنت شابًا، مغرورًا بنفسي، أنتمي لعائلة غنية، وهي ابنة حي شعبي، لكن ذكية، قوية، تسخر مني عندما أتباهى. أحببت هذه القوة.
علاقتها بي كانت سرًا عن عائلتي.
وعندما اكتشفوا الأمر…
أغمض عينيه لحظة:
– ضغطوا. هددوا. ساوموا.
كنت في بداية مسيرتي المهنية. قيل لي: “لن نسمح لسمعة العائلة أن تُلطّخ بزواجك من فتاة من حي فقير.”
قيل لي أشياء أسوأ.
وأنا…
فتح عينيه ونظر إليها:
– كنت جبانًا.
بدا صوته مكسورًا وهو يعترف بالكلمة.
كأنها حكم نهائي على شبابه. – انفصلت عن لورا فجأة، بدون تفسير حقيقي. قلت لها كلامًا قاسيًا، ادّعيت فيه أنني لم أعد أحبها، أنني أريد التركيز في عملي.
كانت حاملاً بكِ. وضعت صوفيا يدها على فمها.
لم تكن قد سمعت هذه النسخة من الحكاية من قبل.
أمّها كانت تقول دائمًا:
“أبوك سابنا قبل ما تولدي. كان محامي، لكن ماكانش عنده قلب.”
لم تذكر أسماء. ولم تذكر حبًا.
– حاولت أن أعود بعد شهور، عندما بدأت أشعر بالندم، لكن…
توقّف، نبرته تخنقها الذكريات.
– ذهبت إلى بيتها، قالوا لي إنها تركت الحي. لا أحد يعرف أين ذهبت.
بحثت في سجلات المستشفيات، لم أجد شيئًا.
استعنت بمعارفي، بلا جدوى.
كنت قد خنتها… ثم فشلت حتى في أن أعتذر.
وبعد سنوات، دف*نت الذكرى تحت أكوام العمل والنجاح.
ظننت أنني نسيت.
لكنها لم تنسَني.
وأشار إلى الصورة:
– هذه التقطتها أنا. في الحديقة، في تشابولتيبيك. كنت قد اشتريت لكِ الفستان الأبيض، وأمكِ اختارت زهرة عباد الشمس.
قالت إنكِ تشبهينها:
“واقفة في الشمس، حتى لو ح*رقتك.”
وأضاف بهمس:
– ظننت أنني فقدت هذه الصورة إلى الأبد… لكن نسخة وصلتني بطريقة معقّدة منذ سنوات، عن طريق أحد المصورين القدماء. احتفظت بها هنا… كنوع من الاعتراف الصامت بجـ,ـريمتي. كانت صوفيا تستمع، وقلبها بين المطرقة والسندان.
جزء منها يريد أن يصدّق، أن يصرخ: “كنت هنا طوال هذا الوقت!”
وجزء آخر يقول:
“سهل جدًا أن تدّعي الآن، بعد أن صرت غنيًا ومشهورًا، أنني ابنتك من قصة حب قديمة.” قالت بصوت مبحوح:
– هل تحاول أن تقول… إنك أبي؟ لم يتردد هذه المرة:



