قتـ .ـيل الكوبري للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

فيه موقف واحد كفيل إنه يخليك عايش زي المخبول طول حياتك، موقف ممكن يدمر كل حاجة جواك ويخليك تجري عشان تتعالج من كمية أمراض نفسية ممكن تاكل في روحك وعقلك وقلبك.. وأنا مريت بموقف من المواقف دي، وفضلت سنين من عمري بتعالج نفسيًا، وطرقت كل أبواب الدكاترة النفسيين، لحد ما قرر كيان رهيب يتدخل في حياتي ويعالجني بنفسه.. يومها كنت راجع من الجامعة بالليل، واليوم اللي برجع فيه بعد العصر وبنزل على مدخل بلدنا بيبقا صعب أوي ألاقي حاجة تدخلني لجوا، وبضطر اتمشاها من الأراضي الزراعية لحد ما أوصل لجوا البلد..

وكالعادة وقفت على مدخل البلد ومفيش أي حاجة بتقف، كلها عربيات ضخمة رايحة للمحاجر عشان تنقل حجارة، وحتى لو ركبت معاهم فهضطر اتمشى برضه، عشان كدا روحت داخل في قلب الغيط اللي قدامي عشان أنجز في المشوار، ومش عارف ليه وقتها بدأت أفتكر تفاصيل حياتي.. حياتي اللي كلها بتقف عند اليوم اياه، وبالأخص عند الصرخة ونظرة العين، الصرخة اللي بتطاردني في حياتي لحد انهاردة، وللأسف مفيش ولا دكتور عرف يعالجني منها، ده غير الكوابيس اللي مش قادر أتخلص منها لحد انهاردة، كله بسبب نظرة العين والصرخة..

في اللحظة دي شوفت آثار أقدام في الأرض اللي قدامي واللي كانت مسقية من قريب فسهل أوي الآثار تظهر في طين الأرض، بس الغريب إن الآثار دي كانت دموية، وكأن الشخص اللي مشي من هنا كانت رجليه بتنزف دم.. جسمي بدأ يترعش وشكلي هدخل في نوبة جديدة، وبدأت بسرعة افتكر كلام الدكتور، إن دا مش حقيقي ولازم اتفادى الأوهام ومصدقش اللي بسمعه وأشوفه، بس ازاي هكدب عنيا اللي شايفة دا..

بصيت ورايا هناك عند الكوبري واترعشت أكتر، أنا أيه اللي جابني هنا، أنا غبي، غبييييي، بدأت بدون وعي مني أمشي ورا آثار الأقدام عشان أبعد عن الكوبري وأعدي من الكوبري اللي بعده، وبدأت أغرز في الطين وبنطلوني يتلون باللون الأسود، بس مكنتش دي مشكلتي، أنا خايف أقع في نوبة، والمكان هنا مش هيساعدني إطلاقًا.. كملت مشي ورجلي عمالة تغرز أكتر، المشي بقا صعب جدًا وأنا عمال أنهج وجسمي يترعش أكتر وأكتر، في النهاية شوفت راجل على أول الأرض مديني ضهره ومكمل مشي..

واكتشفت إن هو صاحب الآثار دي، بصيت لرجليه لقيته حافي وبيسيب آثار فيها دم، في الوقت ده هديت شوية لما بعدت عن الكوبري إياه، وحسيت بالفضول عشان أشوف الراجل ده رايح فين.. كملت مشي وراه لحد ما لقيته داخل في قلب المقابــ . ـر، المقابــ . ـر القديمة اللي جمب الساقية واللي بقالها زمن محدش دفــ . ــن فيها بعد ما خصصوا حتة تانية للدفــ . ــن، حاولت أرجع مكملش بس مقدرتش..

في الوقت ده الشمس كانت بتميل ناحية الغروب، والمقابــ . ـر كانت قديمة، متهالكة جدًا، تحس إنها هتنهار مع أول لمسة، كل ده والراجل كان مكمل مشي مبيقفش، راقبته واحدة واحدة لحد ما في لحظة اختفى من قدام عنيا وبالأخص قدام المقبـ . ـرة اللي هناك دي.. مسكتني برودة عجيبة وحسيت إني هقع مكاني، هو أنا وصلت للمرحلة دي من الجنون، انا بقيت أشوف الحاجة وتختفي بالسهولة دي، قربت من المقبـ . ـرة اللي اختفى عندها الراجل ولقيت اسم مكتوب

“محمد محمود أبو جبل” فضلت باصص للاسم اللي قرأته بصعوبة على الجدار المتهالك وبعدها في لحظة لقيته واقف ورايا، نفس الراجل، بس عنيه كانت بيضا أوي، شهقت من الفزع ورجعت لورا وأنا باصص له وقلبي هيطلع من مكانه، فضل واقف يبصلي ببياض عنيه بكل ثبات.. قلبي كان هيقف وجسمي كان بيتنفض ولساني مشلول، لحظات بس وبدأ دم ينزل من رقبته، وكأن فيه جرح بيظهر واحدة واحدة، وبدأ الجرح يزيد ويكبر أكتر وأكتر لحد ما وقعت الراس من مكانها..

في اللحظة دي بس قدرت أصرخ وأجري من المكان كله، كنت في حالة رهيبة من الفزع، وقعت في الأرض الطينية وجسمي كله اتوسـ . خ بالطين، لدرجة إني زحفت في قلب الطين عشان أخرج منه، وبعد دقايق خرجت من الأرض.. و ولقيت نفسي عند نفس الكوبري اللي كنت دايمًا بتحاشاه، وفجأة سمعت صوت صراخ، واحد بيجري وبيصرخ ومن وراه واحد ماسك خنـ ـجر وبيجري وراه، في اللحظة دي كان بيعدي الكوبري ولحقه اللي ماسك الخنجر..

وبكل غضــ . ــب الدنيا دبـ ـحه قدام عنيا، دبـ ـحه وفصل راسه عن جسمه، كل ده والجسم عمال يتنفض ويتنفض، وكان هناك، طفل شايل شنطة على ضهره وواقف مذهول قدام الكوبري بيبص للقتيل.. عنين الطفل كانت باصة لعنين الراجل وهو بيتـ ـدبـ . ح ويصرخ، وجري الطفل واستخبى تحت الكوبري، جسمه اتلطخ بالطين وجسمه اتنفض مرة واتنين، واختفى المشهد كله.. ووقعت أنا في الأرض، وغصب عني رجعت أفتكر من تاني، أفتكر الموقف اللي دمر حياتي كلها وخلاني مريض نفسي لحد انهاردة بشوف هلاوس وكوابيس..

يومها هربنا من المدرسة وروحنا ناحية شجرة التوت عشان ناكل توت، كان عندي ١٠ سنين، خدت شنطتي على كتفي وروحنا ناحية الشجرة، وعلى الكوبري ده شوفت كل اللي حصل، واحد بيجري ورا واحد تاني، أصحابي كلهم خافوا وهربوا، أنا الوحيد اللي شوفت كل حاجة.. شوفت واحد بيـ ـدبـ . ح واحد وبيفصل راسه عن جسمه، شوفت القتـ ـيل وهو بيبصلي وبيصرخ وبيتنفض، سمعت صرخته وحشرجة صوته وقت المــ . ــوت، نظرات عنيه لسة فاكرها وشايفها لحد انهاردة..

وقفت على الكوبري أبكي غصب عني، ياما حاولت أهرب من الذكرى دي مقدرتش، في اللحظة دي شوفته من تاني، نفس الراجل اللي شوفته في المقابــ . ـر، كان واقف بعنيه البيضا قدام الكوبري الناحية التانية، وشوفته بيشاور على الكوبري، وقتها بس اكتشفت الكارثة.. هو ده الراجل اللي شوفته بيدبـ ـح من ١٠ سنين هنا، هو نفسه اللي قابلته في المقابــ . ـر من شوية، هو أنا اتجننت ولا هو فعلًا جايلي بعد ١٠ سنين يخوفني..

طيب كنت هدافع عنه ازاي من الأساس، لقيته بيقرب مني وبيطلع صوت زي صوت حشرجة الروح، مقدرتش استنا لحظة زيادة وجريت زي المجــ . ــنون ناحية البيت، كان وقتها الليل نزل وعرفت أروح من غير ماحد يشوفني متبهدل بالطين كدا.. دخلت بيتنا وعلى أوضتي فورًا، استحميت وغيرت هدومي واستنيت والدي، وبعد ساعة كنت قاعد معاه وحاولت استدرجه بالكلام.. ـ بابا أنت تعرف حد اسمه محمد محمود أبو جبل؟؟ بصلي بصة غريبة وبعدها فكر شوية وقال:

ـ الله يرحمه أنت جبت اسمه منين؟! ـ واحد صاحبي اتكلم عنه انهاردة فقولت ازاي من بلدنا وأنا معرفوش!! ـ عايز تعرف حكايته يعني؟؟ ـ ياريت.. ـ يابني أحنا لسة بنعالجك من ساعة ما حصلت لك حـ .ــادثة منعرفش سببها فبلاش أحكيلك حاجات زي دي.. ـ معلش يا بابا عشان خاطري.. لقيته خد نفس عميق وقال: ـ محمد ده راجل غلبان سكن في بلدنا من زمان أوي، وكان شغال عامل بالأجرة في الغيطان، يزرع، يحصد، يسقي الأرض وهكذا، وفي يوم راجع بالعربية والحمار بيجرها، وفي عيل صغير كان بيلعب تحت العربية، محمد مشافوش والعربية هرست الواد وقــ . ـــتلته..

محمد كان مرعوب، خد الواد للمستشفى بس الواد كان مات، جري يستنجد بكبار البلد عشان أبو الواد اللي مات من عيلة كبيرة وخاف يقتـ ـلوه، بس الناس اتدخلت بعد أيام واتعمل صُلح بصفته قــ . ـــتل خطأ.. بس أبو الواد كان راجل أعوذ بالله منه، بعد الصُلح اتربص بمحمد وقــ . ـــتله، بيقولوا دبـ . حه وفصل راسه عن جسمه وخفى الجــ,,ـثمان ومحدش عرف عن الجـ . ــثه حاجة، وبما إن الراجل غلبان فمحدش أتهم أبو الواد لما الراجل اختفى، مع إن الكل كان متأكد إنه قــ . ـــتل محمد وفيه شهود شافوه واتكلموا..

ـ مين الراجل ده يا بابا اللي قــ . ـــتله؟؟ ـ عمك سعداوي يابني لو تعرفه.. ورجع المشهد قدامي من تاني، وافتكرت، فعلا كان عم سعداوي الراجل صاحب الفرن هو اللي قــ . ـــتل قدامي، يمكن الصدمة خلتني أنسى بس حاليًا أنا افتكرت.. ليه الغدر بعد الصُلح، وليه الراجل مرضيش بقدر ربنا، حسبي الله ونعم الوكيل، دخلت أنام أو حاولت، بس للأسف شوفت المشهد من تاني بس أوضح، سعداوي بيجري ورا محمد على الكوبري وبيدبـ . حه، وبعدها محمد قام يدور على راسه ومسكها ركبها تاني ووقف يبصلي ويبكي بدموع من دم..

وفضلت على الحال ده أيام، لحد ما في ليلة شوفت نفس الحلم من تاني، بس وقتها شوفت الجـ . ــثه واقفة قدامي بتنزف دم وبتشاور على سعداوي وبعدها شاورت على الكوبري.. صحيت من نومي عرقان وقلبي بيدق بعنــ . ــف، بس المرعب إني شوفت محمد قدام سريري، عنيه بيضا ورقبته بتنزف دم، وقتها فضلت اتنفض مكاني من الرعب وأنا شايفه بيشاور ناحية الكوبري، وكأني بقيت نايم جمب الكوبري مش في أوضتي..

واتنفضت من تاني وصحيت بجد، وقتها بس فهمت، الجـ . ــثه عايزاني أخلي سعداوي يروح هناك، ومش هتسبني غير لما أعمل كدا، وليه لا، مهو سعداوي ده السبب في الصدمة اللي خلتني لحد النهاردة عايش زي المجانين..

وجتلي الفكرة الجهنمية، كنت بروح للملعب اللي العيال بتحجز فيه حجز كورة، استنيت في ليلة لما ابن سعداوي راح يلعب مع العيال بليل، ووقفت أراقب تليفوناتهم وهما بيدوها للراجل بتاع الملعب أمانات، وقتها جريت على محل صغير تحت البيت كان عنده تليفون، طبعًا بعد ما روحت جبت رقم سعداوي من على الفرن بتاعه، اتصلت بيه وأنا واقف بعيد عن صاحب المحل وقولتله إن ابنه مغمى عليه ومرمي عند الكوبري اللي عند الساقية..

طبعًا هيرن على ابنه مش هيرد عليه عشان بيلعب كورة، وراقبت بيته واستنيت، لحظات وخرج يجري زي المجــ . ــنون ناحية الكوبري إياه، ولقيت فضولي سايقني وراه، الجو كان ليل ومحدش شايف حاجة، بس أنا كنت حافظ الطريق، ليلتها بس سمعت صرخة جديدة، صرخة رعب من سعداوي فوق الكوبري، مشوفتش حاجة بسبب الضلمة غير عنين بيضا بصت ناحيتي لحظات واختفت.. ورجعت أجري للبيت، واللي حصل بعدها إن سعداوي اتجاب ميت من فوق الكوبري، بيقولوا إن وشه كان أسود وبقه مفتوح على أخره من الرعب، والأغرب إني اتعافيت بعد صرخة سعداوي..

وكأني زي ما تعبت بسبب صرخة محمد المظلوم، اتعافيت بسبب صرخة سعداوي الظالم، ومش عارف ازاي وبعد ١٠ سنين قرين القتيل فضل مستني عشان يبدأ يوضحلي الحقيقة، بس فعلًا ده عالم مُعقد صعب تفهم فيه حاجة.. [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا] سورة النساء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى